ابن كثير

306

البداية والنهاية

قال : " سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من سواهم فيستبيح بيضتهم فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط بعضهم على بعض فمنعنيها " ( 1 ) ذكرنا ذلك عند تفسير قوله تعالى * ( أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض ) * [ الانعام : 65 ] قال رسول الله : هذا أهون . قصة التحكيم ثم تراوض الفريقان بعد مكاتبات ومراجعات يطول ذكرها على التحكيم ، وهو أن يحكم كل واحد من الأميرين - علي ومعاوية - رجلا من جهته . ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة للمسلمين . فوكل معاوية عمرو بن العاص ، وأراد علي أن يوكل عبد الله بن عباس - وليته فعل - ولكنه منعه القراء ممن ذكرنا وقالوا : لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري . وذكر الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج له أن أول من أشار بأبي موسى الأشعري الأشعث بن قيس ، وتابعه أهل اليمن ، ووصفوه أنه كان ينهي الناس عن الفتنة والقتال ، وكان أبو موسى قد اعتزل في بعض أرض الحجاز . قال علي : فإني أجعل الأشتر حكما ، فقالوا : وهل سعر الحرب وشعر الأرض إلا الأشتر ؟ قال : فاصنعوا ما شئتم ، فقال الأحنف لعلي : والله لقد رميت بحجر إنه لا يصلح هؤلاء القوم إلا رجل منهم ، يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ، ويبتعد حتى يصير بمنزلة النجم ، فإن أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا وثالثا ، فإنه لن يعقد عقدة إلا أحلها ، ولا يحل عقدة عقدتها إلا عقدت لك أخرى مثلها أو أحكم منها . قال : فأبوا إلا أبا موسى الأشعري فذهبت الرسل إلى أبي موسى الأشعري - وكان قد اعتزل - فلما قيل له إن الناس قد اصطلحوا قال : الحمد لله ، قيل له : وقد جعلت حكما ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم أخذوه حتى أحضروه إلى علي رضي الله عنه وكتبوا بينهم كتابا هذه صورته . بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، فقال عمرو بن العاص : اكتب اسمه واسم أبيه ، هو أميركم وليس بأميرنا ، فقال الأحنف : لا تكتب إلا أمير المؤمنين ، فقال علي : امح أمير المؤمنين واكتب هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب ثم استشهد علي بقصة الحديبية حين امتنع أهل مكة هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ، فامتنع المشركون من ذلك وقالوا : اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ، فكتب الكاتب : هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، قاضي علي على أهل العراق ومن معهم من شيعتهم والمسلمين ، وقاضي معاوية على أهل الشام ومن كان معه من المؤمنين والمسلمين إنا ننزل عند حكم الله وكتابه ونحيي ما أحيى الله ، ونميت ما أمات الله فما وجد الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى

--> ( 1 ) صحيح مسلم - كتاب الفتن - ( 5 ) باب ح‍ 19 و 20 ص 4 / 2215 - 2216 .